العيني

129

عمدة القاري

عليه السلام ، وقيل : الحق الأمر البين الظاهر أو المراد : الملك بالحق ، أي : الأمر الذي بعث به . قوله : فجاءه الفاء فاء التفسيرية ، وقيل : يحتمل أن تكون للتعقيب ، وقيل : يحتمل أن تكون سببية . قوله : فيه أي : في الغار ، وهذا يرد قول من قال : إن الملك لم يدخل إليه الغار بل كلمه والنبي داخل الغار والملك على الباب ، والملك هنا جبريل ، عليه السلام ، وقيل : اللام فيه لتعريف الماهية لا للعهد إلاَّ أن يكون المراد به ما عهده ، عليه السلام ، قبل ذلك لما كلمه في صباه وكان سن النبي حين جاءه جبريل ، عليه السلام ، في غار حراء أربعين سنة على المشهور ، وكان ذلك يوم الاثنين نهاراً في شهر رمضان في سابع عشرة ، وقيل : في سابعه ، وقيل في : رابع عشرين ، وقيل : كان في سابع عشرين شهر رجب ، وقيل : في أول شهر ربيع الأول ، وقيل : في ثامنه . قوله : فقال اقرأ ظاهره أنه لم يتقدم من جبريل شيء قبل هذه الكلمة ولا السلام ، وقيل : يحتمل أنه سلم وحذف ذكره ، وروى الطيالسي أن جبريل سلم أولاً ولم ينقل أنه سلم عند الأمر بالقراءة . قوله : فقال اقرأ قيل : دلت القصة على أن مراد جبريل ، عليه السلام أن يقول النبي نص ما قاله ، وهو قوله : اقرأ وإنما لم يقل له : قل : اقرأ لئلا يظن أن لفظة : قل ، أيضاً من القرآن . فإن قلت : ما الذي أراد باقرأ . قلت : هو المكتوب الذي في النمط ، كذا في رواية ابن إسحاق ، فلذلك قال : ما أنا بقارئ يعني : أنا أُمي لا أحسن قراءة الكتب ، فإن قلت : ما كان المكتوب في ذلك النمط ؟ . قلت : الآيات الأول من * ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ ) * وقيل : ويحتمل أن يكون ذلك جملة القرآن نزل باعتبار ثم نزل منجماً باعتبار آخر ، وفيه إشارة إلى أن أمره تكمل باعتبار الجملة ثم تكمل باعتبار التفصيل . فغطني من الغط بالغين المعجمة وهو العصر الشديد والكبس ، وقال ابن الأثير : قيل : إنما غطه ليختبره ، هل يقول من تلقاء نفسه شيئاً وقيل : لتنبيهه واستحضاره ونفي منافيات القراءة عنه . وقال السهيلي : تأويل الغطات الثلاث أنها كانت في النوم أنه ستقع له ثلاث شدائد يبتلى بها ثم يأتي الوحي ، وكذا كانت : الأولى : في الشعب لما حصرتهم قريش فإنه لقي ومن تبعه شدة عظيمة . الثانية : لما خرجوا توعدوهم بالقتل حتى فروا إلى الحبشة . والثالثة : لما هموا به ما هموا من المكر به ، كما قال تعالى : * ( وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ) * الآية ، فكانت له العاقبة في الشدائد الثلاث ، وقال من عاصرنا من المشايخ ما ملخصه : إن هذه المناسبة حسنة ولا يتعين للنوم بل يكون بطريق الإشارة في اليقظة وقال : ويمكن أن تكون المناسبة أن الأمر الذي جاء به ثقيل من حيث القول والعمل والنية ، أو من جهة التوحيد والأحكام والإخبار بالغيب الماضي والآتي ، وأشار بالإرسالات الثلاث إلى حصول التيسير والتسهيل والخفيف في الدنيا والبرزخ والآخرة عليه وعلى أمته قوله : حتى بلغ مني الجهد ؟ بضم الجيم الطاقة وبفتحها الغاية ، ويجوز فيه رفع الدال ونصبها ، أما الرفع فعلى أنه فاعل بلغ ، وهي القراءة التي عليها الأكثرون وهي المرجحة ، وأما النصب فعلى أن فاعل : بلغ ، هو الغط الذي دل عليه قوله : غطني والتقدير : بلغ مني الغط جهده أي : غايته ، وقال الشيخ التوربشتي : لا أرى الذي قاله بالنصب إلاَّ وهماً فإنه يصير المعنى أنه غطه حتى استفرغ الملك قوته في ضغطه بحيث لم يبق فيه مزيد ، وهو قول غير سديد ، فإن البنية البشرية لا تطيق استنفاد القوة الملكية لا سيما في مبتدأ الأمر ، وقد صرح في الحديث بأنه دخله الرعب من ذلك . انتهى . وقيل : لا مانع أن يكون الله قوَّاه على ذلك ويكون من جملة معجزاته ، وقال الطيبي في جوابه ، بأن جبريل لم يكن حينئذٍ على صورته الملكية فيكون استفراغ جهده بحسب صورته التي جاء بها حين غطه ، وقال : وإذا صحت الرواية اضمحل الاستبعاد . انتهى ، وفيه تأمل . قوله : فرجع بها أي : مصاحباً بالآيات المذكورة الخمس . قوله : ترجف بوادره جملة حالية والبوادر جمع البادرة وهي اللحمة بين العنق والمنكب ، وقد تقدم في بدء الوحي بلفظ : فؤاده قيل : الحكمة في العدول عن القلب إلى الفؤاد أن الفؤاد وعاء القلب فإذا حصل الرجفان للفؤاد حصل لما فيه . قوله : الروع بفتح الراء الفزع . قوله : مالي أي : ما كان الذي حصل لي ؟ قوله : قد خشيت على نفسي هكذا رواية الكشمهيني : وفي رواية غيره : خشيت علي ، بالتشديد يعني : من أن يكون مرضاً أو عارضاً من الجن . وقال الكرماني : قالوا : الأولى : خشيت أني لا أقوى على تحمل أعباء الرسالة ومقاومة الوحي . قوله : فقالت له كلا أي : فقالت خديجة للنبي كلا ، أي : ليس الأمر كما زعمت بل لا خشية عليك ،